معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 52
إنّك أيّها الكائن المدرك لوجود ذاتك وصفاتك، لك ربّ ربّاك ونشّأك حتّى صرت كائنا حيّا مدركا سويّا، فانظر إلى ذاتك كيف بدأت، وكيف تنقّلت في أطوار خلقك، من نطفة إلى علقة إلى مضغة، وهكذا نشّئت تنشيئا صاعدا حتى بلغت درجة كمالك المقدّرة لك، فصرت حيّا ذا إدراك وإرادة وقوّة إلى سائر صفاتك النفسيّة والجسديّة.
فهل كنت أنت المنشئ لذاتك، والمختار لصفاتك وخصائصك؟ وهل كان أبواك هما اللّذان بنيا ذاتك، ومنحاك صفاتك؟ إنّهما لم يفعلا شيئا إلّا أن كانا وسيلة ما بين مستقرّ ومستودع، ثمّ ساعداك على تقديم بعض وسائل حياتك وحمايتك، لكنّهما لم يبنيا فيك شيئا، ولم يخلقا فيك خلقا ما.
إذن: فآمن بأنّ لك ربّا، والتمس منه عونا، وتفكّر في أسمائه وصفاته دواما مع كلّ حقيقة كونيّة تتعلّمها، ومجّده في نفسك وقولك، وناده وادعه، واقرأ ما أنزل إليك، حتّى تعلم واجبك تجاهه، وتعمل بما يوصيك به، وتطيع أوامره ونواهيه.
لقد أدركت أيّها الإنسان بملاحظتك لذاتك، وصفاتك، وملاحظتك لأمثالك، أنّك تدرّجت في نشأتك من النّطفة حتّى صرت علقة فمضغة فجنينا يتحرّك بحياة، فوليدا، فغلاما، فشابّا، فكهلا، وهكذا.
أَفلا تبحث عمّن ربّاك؟ أَفلا تتفكّر في صفاته وأسمائه الحسنى، ولو لم يكن مرئيّا لك بعينيك؟!
إنّك تستطيع أن تدرك وجوده، بجهاز فيك، هو أجلّ من بصرك وسمعك وسائر حواسّك وأعظم، هو فكرك، هو قوّة إدراك المعارف فيك، هو عقلك الّذي يدرك ما غاب عن حسّك، ويشاركه وجدانك الداخليّ وضميرك.
هذا الّذي ربّاك هو الخالق في الوجود، هو الذي خلق كلّ ما تشاهد في ذاتك وحول ذاتك، من كلّ ظاهر وباطن في الكون، فهو الّذي خلق.