معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 407
وكان كلّما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا، فقال لها:
يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (37) .
هُنالِكَ: أي: في ذلك المكان الذّي جرى فيه هذا الحدث الخارق للعادة، والّذي يكرم به مريم الّتي جاءت هبة من اللّه على خلاف نظام الأسباب المعتادة، إذ كانت أمّها"حنّة"عاقرا، وكان أبوها"عمران"رئيس الرّبّانيّين، وكاهنهم الأكبر شيخا كبيرا مثله.
هنالك تحرّكت في قلب زكريّا الرّغبة الشّديدة في أن يهبه اللّه ذرّيّة طيّبة، كما وهب"عمران"ذرّيّة طيّبة هي"مريم"الّتي يكرمها اللّه برزق من عنده، على خلاف نظام الأسباب المعتادة. فدعا ربّه:
* قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (38) .
هَبْ لِي: الهبة: هي العطيّة الخالية من الأعواض والأغراض، يقال لغة: وهب له الشيء يهبه وهبا، ووهبا، وهبة، فهو واهب ووهّاب.
مِنْ لَدُنْكَ: لدن: ظرف زمانيّ ومكانيّ، بمنزلة"عند"إلّا أنّه أقرب من"عند"وأخصّ منه. وهي ملازمة للإضافة.
ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً: الذّرّيّة: النّسل من الذكور والإناث، فلم يعيّن عليه السّلام في دعائه أن يكون ذكرا. (و أصلها ذرّيئة فسهلت الهمزة وأدغمت بالياء قبلها) وتجمع على"ذراري".
طَيِّبَةً: الطيّب ضدّ الخبيث، ويطلق على الطاهر، ومراده أن يهب له اللّه ذرّية طاهرة من أرجاس الكفر والشّرك والمعاصي والأخلاق الرديئة القذرة.
وأثنى على ربّه بقوله: إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ: أي: إنّك ربّ لا يخفى