فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 455
لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا: أي: لقد جئت شيئا عجيبا غير متوقّع الحدوث.
الفريّ: هو في اللّغة الأمر العجيب المستغرب. جئت شيئا: أي:
عملت وفعلت شيئا.
وهذه العبارة تصلح لمعنيين:
المعنى الأول: استغراب الحدث بذاته، مع ملاحظة براءتها وعدم اتّهامها بالبغاء، وهذا يكون من قبل الّذين لم يظنّوا بها إثما، فقالوا: لقد جئت شيئا عجيبا من أحداث الدهر.
المعنى الثاني: التّعجّب من أمرها كيف تقع في الإثم، وترتكب الفاحشة، وهذا المعنى يكون من قبل الّذين وجّهوا لها الاتّهام بارتكاب الإثم، الّذي نشأ عنه انعقاد الولد، سواء وجّهوه لها بصريح أقوالهم، أم بمعارضيها، أم تحدّثوا به في أنفسهم، فقالوا لها: لقد جئت شيئا عجيبا، وأمرا مستنكرا غريبا، وذلك لأمرين:
الأمر الأول: أنّ مثل هذا العمل لا يعرف في سلوك القانتين والقانتات، المنقطعين والمنقطعات للتّبتّل والعبادة للّه عزّ وجلّ، حتّى صار يشار إليك بالبنان، وتذكرين بأنّك في قنوتك وعباداتك لربّك أخت(أي:
مثل)هارون المتعبّد القانت المنقطع للعبادة، والرّجل التّقّيّ البارّ الورع الصالح. وقد كان هذا رجلا معروفا في عصرها بأنّه تقيّ بارّ محسن.
الأمر الثاني: أنّ مثل هذا العمل لا يعرف من امرأة أبواها عفيفان شريفان.
ويظهر هذان الأمران من قولهم التالي لها:
* يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) .