فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 488
أي: إلّا ليؤمنّن به مستقبلا قبل موته، فدلّ هذا على أن التّوفّي الّذي حصل له قبل رفعه إلى السّماء لم يكن من نوع الموت، بل كان من نوع الفصل الجزئيّ بين روحه ونفسه عليه السّلام.
وقد ثبت عن النبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بصورة قطعيّة نزول عيسى عليه السّلام، في آخر الزّمان، وثبت أنّه يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويكون هلاك الدّجّال على يده.
القضية الثانية: دلّ عليها: وَرافِعُكَ إِلَيَ خطابا لعيسى عليه السّلام، أي: ورافعك من الأرض إلى جهتي، أي: إلى السّماء، وأنت متوفّى توفيّا جزئيّا لم تمت فيه موتا كلّيّا.
القضيّة الثالثة: دلّ عليها: وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا خطابا لعيسى عليه السّلام، أي: وعاصمك من أن يقتلك الّذين كفروا، إذ لو لم يعصمه اللّه عزّ وجلّ من ذلك، لكان جسده محلّا يفعل فيه رجس جرمهم العظيم.
وقد وصف اللّه الشّرك بأنّه رجس، ووصف المشركين بأنّهم نجس، ووصف شرب الخمر، والمقامرة بالميسر، بأنّهما رجس في السّلوك من دركة كبائر الإثم، وجعل النّفاق رجسا من أرجاس السّلوك النّفسي، فلا بدّ أن يكون قتل رسول من رسل اللّه من الأرجاس الكبرى.
فحماية عيسى عليه السّلام من أن يقتله الّذين كفروا، هو تطهير له من أن تكون حياته وذاته محلّا يرتكبون فيه رجسهم العظيم، فعصمه اللّه، ورفعه إلى السّماء تطهيرا لجسده من رجسهم، مع أنّه في ذاته عليه السّلام، في نفسه وفي جسده طاهر زكيّ لا يتغيّر من جوهره شيء.
فالمراد بالتّطهير هنا عصمته من أن يقتله الذين كفروا أو يعذّبوه.
وهذا نظير أن نرفع المصحف من أيدي من أرادوا إلقاء النجاسات