معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 494
ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) .
ثم جاء في سورة (الأعلى) السّورة الثامنة بحسب ترتيب النزول إلماح خفيف إلى هذا الموضوع ضمن قضية عامّة، فقال اللّه عزّ وجلّ فيها: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (16) ومعلوم أنّ إمساك المال، والبخل ببذله للمساكين وذوي الحاجات من إيثار الحياة الدنيا.
أما سورة (اللّيل) السّورة التاسعة بحسب ترتيب النزول، فقد جاء فيها الترغيب بإعطاء المال واضحا وبقوّة، وهو ترغيب مقرون بالوعد بالثواب.
وجاء فيها الترهيب من البخل ببذل المال لمستحقيه، مع الإنذار بالعقاب على البخل.
* قول اللّه عزّ وجل: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (5) .
الفاء في: (فأما) دلّت على أنّ ما بعدها مفرّع عمّا دلّ عليه الدّرس الأول من السورة، وهو كون المخاطبين بقوله تعالى: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) موضوعون في الحياة الدنيا موضع الامتحان، فهم ذوو إرادات حرّة، فباستطاعتهم أن يختاروا لأنفسهم طريق الخير حتّى يكونوا سعداء بفضل اللّه، وباستطاعتهم أن يختاروا لأنفسهم طريق الشرّ وبه يكونون أشقياء بعدل اللّه.
وكلمة: [أمّا] حرف فيه معنى الشرط والتوكيد دائما، وفيه معنى التّفصيل غالبا، ويكرّر غالبا حينما يحمل معنى التفصيل، كما جاء هنا في السّورة.
مَنْ أَعْطى أي: من أعطى عطاء ماليّا يبتغي به وجه ربّه الأعلى.
حذف المفعول به ليعمّ كلّ عطاء مالي. ودلّ على كونه عطاء ماليّا مقابلة العطاء في السورة بالبخل، وذكر المال مرّتين في السّورة إحداهما في