معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 495
الحديث عمّن بخل واستغنى، والأخرى في الحديث عن الذي يؤتي ماله يتزكّى، فالكلام في السّورة يدور حول إعطاء المال والبخل به. ودلّ على ابتغاء وجه اللّه بالإعطاء ما جاء في آخر السّورة من بيان أنّ الناجي من النار هو الذي يؤتي ماله يتطهّر بإيتائه من رجس البخل والمعصية وهو لا يبتغي بإيتائه إلّا وجه ربّه الأعلى، ودلّ على أنّه أعطى ماله في طاعة اللّه عطف فعل: [اتّقى] على فعل: [أعطى] .
وَاتَّقى: أي: واتّقى عذاب اللّه فيما أعطى، وفي كلّ أقواله وأفعاله الإراديّة الظاهرة والباطنة، الجسديّة والنفسيّة.
* قول اللّه عزّ وجلّ: وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (6) .
أي: وجزم في قلبه مؤمنا بأنّ بلاغات الرسول عن اللّه حقّ وصدق، ومعلوم أنّ بلاغات الرّسول عن اللّه تشمل العقائد الإيمانية، ووصايا اللّه وأوامره ونواهيه لعباده في هذه الملّة، من كلّ أنواع السّلوك الظاهر والباطن، الجسديّ والنفسيّ، وهذه كلّها حسنى، فاقت في حسنها كلّ ما يخالفها.
الحسنى: مؤنث"الأحسن"أي: المفضّل في الحسن. وقد جاء لفظ [الحسنى] في الآية صفة لموصوف محذوف، فاختلف أهل التأويل في تقديره، إذ لم يرد عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بيان يعيّنه، فقيل: الجنة. وقيل: لا إله إلّا اللّه. وقيل: الصلاة. وقيل: الزكاة.
لكنّي رأيت أنّ المحذوف المقدّر ذهنا هو الملّة، أو الشريعة، أو الديانة أو الرسالة الّتي يبلّغها الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن ربّه، فهي المقدّر ذهنا في دعوته، ولا يحتاج إلى التصريح به، وهذا المحذوف المقدر على الوجه الذي رأيته، يشمل كلّ أقوال أهل التأويل وزيادة، وهو المطلوب الإيمان به واتّباعه من الموضوعين في الحياة الدنيا موضع الامتحان.