فهرس الكتاب

الصفحة 4793 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 499

فإبراهيم عليه السّلام قد كان صدّيقا، وقد كان نبيّا، وقد جاء إثبات رسالته بلفظ صريح في نصّ آخر. أمّا في هذا النصّ من سورة (مريم) فتفهم رسالته باللّزوم العقليّ، إذ دلّ عليها قيامه بواجب الدّعوة إلى اللّه.

قول اللّه تعالى:

* إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) :

إِذْ قالَ لِأَبِيهِ: أي: واذكر في الكتاب قصّة إبراهيم حين قال لأبيه ....

يا أَبَتِ: لقد تلطّف إبراهيم عليه السّلام مع أبيه، فخاطبه بتذلّل وخضوع وإشعار بارتفاع منزلة أبيه بالأبوة، فناداه بأداة النّداء الموضوعة للبعيد، ووضع بدل ياء المتكلّم تاء التأنيث، الّتي يستعطف بها رقّته الّتي يشارك الأمّ بها، فكأنّه قال له: يا أبي الّذي هو مثل أمّي في الشفقة عليّ والرّحمة بي، إنّ من البرّ بك، أن أنصحك، وأدلّك على الحقّ وصراط الهدى، وأحذّرك من عذاب اللّه.

لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا:

بدأ إبراهيم عليه السّلام نصحه لأبيه بطرح سؤال لا بدّ أن يطرحه على نفسه كلّ من يمارس عملا من الأعمال، ولا بدّ أن يطرحه الدّاعي الحكيم على من يمارس عملا باطلا، أو فاسدا لا يرضاه منه، ويجده في عمله منحدرا إلى تهلكته وشقائه وعذابه.

سؤال فيه معنى الاستفسار، وفيه معنى الاستنكار، وفيه معنى التعجّب.

أي: يا أبت، هل لك مقصد يتحقّق لك، بعبادتك أوثانا جامدة، لا تسمع دعاءك، ولا تبصر ذاتك، ولا تنفعك بنافعة، ولا تصرف عنك شيئا ممّا تكره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت