فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 500
وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا: أصل معنى"أغناه"كفاه. والكفاية عند الحاجة إلى ما يدفع المكروه، تتضمّن معنى الكفّ والصّرف، فمعنى:
وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا: ولا يكفّ عنك ولا يصرف عنك شيئا ممّا تكره.
فعدّي فعل"يغني"تعدية فعل:"يكفّ أو يصرف"وفق قاعدة التضمين، الّتي هي إحدى أساليب التعبير القرآنيّة الإبداعيّة الإيجازيّة.
فالمعنى: لم تعبد ما لا يكفيك بشيء، ولا يصرف عنك شيئا تكرهه. أو لم تعبد ما لا يكفيك بشيء صارفا عنك شيئا ممّا تكره.
وهذا السؤال لا يمكن أن يجيب عليه عاقل إجابة صحيحة إلّا بأن يقول: وجدت قومي وآباءهم يعبدون هذه الآلهة من الأوثان فعبدتها، وأستبعد أنّهم كانوا على ضلالة.
ولم يأت في النصّ ما يدلّ على أنّ أباه وجد جوابا على هذا السؤال الاستفساريّ المتضمّن معنى التعجّب والاستنكار.
ولهذا انتقل إبراهيم عليه السّلام إلى اتّخاذ وسيلة إقناع أبيه بالحقّ الذي يدعوه إليه، بعد أن أحرجه بالسؤال السّابق الذي لم يستطع أن يجيب عليه، فقال له:
* يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا (43) :
كرّر استعطافه لأبيه بقوله له: يا أَبَتِ. وأكّد له أنّه قد جاءه من العلم الّذي يسعى إليه العقلاء الرّاشدون، ما ليس عند أبيه منه.
وهنا لا بدّ أن تجري محادثة بينهما، يثبت فيها إبراهيم عليه السّلام لأبيه العلم الّذي جاءه، بشأن الرّبوبيّة والإلهيّة، وحقّ اللّه الرّبّ على عباده، في أن يعبدوه ولا يشركوا بعبادته شيئا، وأنّ من اتّخذ آلهة من دون اللّه، جعله اللّه عزّ وجلّ من الخالدين يوم الدّين في عذاب النّار وبئس المصير.