فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 502
وقد جاء في نصوص القرآن والسّنّة، إطلاق لفظ"الصراط"على الشرائع والأحكام، والنصائح والوصايا، وسائر البيانات والتعليمات الدّينيّة، المتعلّقة بسلوك العباد الظاهر والباطن في الحياة الدّنيا، عبادة لرّبهم، على سبيل الاستعارة القائمة على تشبيه البرنامج الاعتقاديّ والعمليّ الموصل إلى السّعادة الّتي هي أجلّ مقاصد أولي الألباب، بالصراط الموصل إلى الغاية المطلوبة للسّالكين في أسفارهم، وانتقالاتهم، وارتحالاتهم.
أَهْدِكَ: يقال لغة: هداه الطّريق، وهداه إليه، أي: بيّنه وأوضحه له، وأرشده إليه، وأعلمه به.
ولمّا كانت الهداية إلى الصراط السّويّ، لا تتحقّق إلّا باجتناب سبل الضّلال، ولمّا كان السّير في سبل الضّلال هو من طاعة الشيطان الذي صمّم وتعهّد، أن يبذل كلّ ما في وسعه، حتّى يبعد آدم وذرّياته عن الصراط المستقيم، ويجعلهم يسلكون السّبل المضلّلة الّتي تنتهي بهم إلى عذاب الجحيم، متّبعين خطواته، وكانت هذه الطّاعة للشيطان من العبادة المناقضة لعبادة اللّه، قال إبراهيم عليه السّلام لأبيه:
* يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (44) .
فأبان إبراهيم عليه السّلام لأبيه أنّ عبادة الأوثان، هي في الحقيقة عبادة للشيطان الذي أوحى بها، وأمر أولياءه من الإنس بتزيين عبادتها.
وأبان له أنّ الشيطان كان شديد العصيان للرّحمن، والتمرّد على أوامره ونواهيه.
وذكر له من أسماء اللّه الحسنى في دعوته إياه اسمه الرّحمن، ليحرّك وجدانه وعاطفته الخيّرة نحو ربّه، الّذي يمدّه بالحياة والرّزق والصّحّة، وسائر محابّه من حياته برحمته، والّذي ترجى رحمته دواما، والّذي يغفر للتّائبين ويعفو عنهم برحمته.