معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 513
يعقوب: هو ابن إسحاق بن إبراهيم عليهم السّلام، فهو حفيد إبراهيم وزوجته"سارة".
فَلَمَّا: الفاء حرف عطف."لمّا"ظرف زمان بمعنى الحين، وهو يدخل على الفعل الماضي.
وهنا يرد سؤال: ما الحكمة من استعمال حرف العطف"الفاء"هنا الذي يدلّ على التعقيب، مع وجود الفاصل الزمنيّ الطويل بين هجرة إبراهيم عليه السّلام إلى"أور الكلدانيّين"ثم إلى"حاران"ثم إلى"شكيم- نابلس"حتّى استقرّ بعد ذلك في المكان الذي توطّنه من فلسطين، وبعد ذلك جاءته البشرى بهبة ولد له من زوجته"سارة".
وكان مقتضى الظاهر أن يكون البيان: واعتزلهم، ثمّ وهبنا له إسحاق ويعقوب.
ويظهر لي في جواب هذا السؤال: أنّه قد جاء في النّصّ: فلمّا اعتزلهم وما يعبدون من دون اللّه، أمّا اعتزاله قومه فقد حصل منذ هاجر إلى:"أور الكلدانيّين"لكنّه بهذه الهجرة لم يعتزل ما يعبدون من دون اللّه إذ كان أهل"أور"يعبدون أوثانا كما يعبد قومه الذين اعتزلهم، فلمّا لم تؤثّر فيهم دعوته، هاجر إلى"حاران"فوجدهم كذلك عبّاد أوثان، ولمّا لم يستجيبوا لدعوته اعتزلهم وهاجر إلى"شكيم- نابلس"من أرض الكنعانيّين في فلسطين، فوجدهم كذلك عبّاد أوثان، ولم يستطع في كلّ هجراته أن يعتزل مشاهدة عبادة الأوثان، حتى إذا استقرّ في أرض من أرض فلسطين، لا يشاهد فيها عبادة الأوثان وهبه اللّه إسحاق، وقد كانت هذه الهبة عقب اعتزاله ما يعبد الناس في هذه البلاد من دون اللّه.
فكان وجود"الفاء"في النصّ مناسبا للدّلالة على اعتزاله الأمرين معا، قومه، وما يعبدون من دون اللّه.