معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 575
وفي الإجابة على هذا أقول:
(1) إنّ علم اللّه ومقاديره في خلقه لا تحصى، فلو نسي من كلّ مليار من الأشياء مثلا شيئا واحدا، لاجتمعت منسيّات كثيرات يصحّ معها أن يوصف بأنّه نسيّ.
(2) ملائمة رؤوس الآيات قبلها وبعدها تقتضي اختيار كلامة"نسيّ"لا"ناس"ولا"ذا نسيان"ولا عبارة"ينسى"إيثارا للجمال الفنّي في العبارة.
(3) جاء في كتاب اللّغة أنّ لفظ"نسيّ"يقال للمذكر والمؤنث، ويظهر أنّ العرب استخدموا كلمة"نسيّ"مثل اسم الفاعل الّذي لا مبالغة فيه، مسقطين دلالة الصيغة على الكثرة.
وجاء في هذه الجملة اختيار عبارة: رَبِّكَ دون سائر أسماء اللّه الحسنى، للإشارة إلى أنّ من له الرّبوبيّة المتصرّفة بالمربوبين في كلّ أصغر وحدة زمنيّة، لا يمكن أن يترك أمرا ما قضت به حكمته، وأمضاه بقضائه وقدره، ولو كان اللّه الرّبّ تاركا شيئا ما في كونه، لتعرّضت أشياء كثيرة من الكائنات، للخلل والفساد، لكنّ شيئا من هذا لم يحدث في شيء من هذا الكون العظيم، على الرّغم من مرور مليارات القرون عليه.
القضيّة الرابعة: دلّت عليها عبارة: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما:
هذه العبارة بدل من عبارة رَبِّكَ أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره"هو"أي: هو ربّ السّماوات والأرض وما بينهما.
عبارة: وَما بَيْنَهُما تدلّ على أنّ ما نراه فراغا بين السّماوات من أعلى سماء فيها وبين الأرض ليس فراغا على الحقيقة، بل هو بمثابة وعاء لكائنات غير منظورة هي من خلق اللّه، وهي خاضعة لربوبيّته جلّ جلاله وعظم سلطانه، وهو يجري فيها تصاريفه الحكيمة على ما يشاء، كما