معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 587
وقد جاء الحديث عنه بأسلوب الحديث عن الغائب إعراضا عنه، ومعاملة له بمثل صنيعه، إذ أعرض عن أدلّة الحقّ، والغرض من الاستفهام التلويم.
"الواو"في أَوَلا يَذْكُرُ تعطف على محذوف مقدّر ذهنا، يستطيع المتدبّر المتأنّي اللّمّاح أن يدركه، وتقديره: ألا يعلم الإنسان أنّ اللّه الّذي خلقه قدير على خلق ما يريد خلقه؟! أولا يذكر أو يتذكّر أنّ اللّه خلقه من قبل ولم يك شيئا.
وجاء التعبير بضمير المتكلّم العظيم: أَنَّا خَلَقْناهُ لأنّ الخلق الإبداعيّ من العدم لا يكون إلّا من الرّبّ العظيم.
إنّ قدرة اللّه الرّبّ العظيم ظاهرة آثارها في كلّ شيء من هذا الكون العظيم، إذ إنّ آياته فيه دالّات عليها، وهذا أمر مشهود دواما لكلّ من آتاه اللّه عزّ وجلّ فكرا وقدرة على الفهم وحسّا.
وحين يعود الإنسان إلى نفسه يتذكّر أنّه لم يكن ثمّ كان، ويدرك بعقله أنّ خالقا قد خلقه بعد أن لم يكن شيئا.
وهنا يستطيع أن يقيس أحداث المستقبل على أحداث الماضي، فالخالق الّذي خلقه بعد أن لم يكن شيئا، وأعطاه صفاته الّتي تميّز بها عن سائر ما خلق اللّه، قادر على أن يبعثه إلى الحياة بعد أن يميته ويفنيه.
جاء في إحدى القراءتين: أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ وهذه تناسب من كان صاحب ذاكرة حسنة، تستدعي المعلومات المخزونات في جهاز التخزين العلميّ لديه دون تكلّف.
وجاء في القراءةالأخرى:"أولا يذّكّر الإنسان"وهذه تناسب من كان صاحب ذاكرة تستدعي المعلومات المخزونات في جهاز التخزين العلميّ لديه بجهد وتكلّف.