معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 588
وكلّ من الفريقين سيتذكّر بالتّنبيه وبالإثارة للتّذكّر، فالقضيّة من الحقائق الّتي يعلمها من نفسه كلّ إنسان.
وَلَمْ يَكُ شَيْئًا: أي: ولم يكن شيئا، يجوز حذف نون الفعل المضارع من فعل:"يكون"بشرط كونه مجزوما بالسّكون، غير متّصل بضمير نصب ولا ساكن.
والدّاعي البلاغي لهذا الحذف هنا الإشعار بأنّ من كان معدوما في الواقع، يحسن أن يوجز الحديث عنه في اللّفظ، ومن هذا الإيجاز حذف ما يجوز في اللّسان العربيّ حذفه في النّطق.
والمراد أنّه لم يكن شيئا يقال له:"إنسان"ولو كانت عناصر جسده موجودة ترابا في الأرض.
وقبل خلق الكون كلّه لم يكن شيئا مطلقا، إذ كان عدما محضا.
وممّا لا شكّ فيه أنّ دليل قياس قدرة الرّبّ على الإعادة إلى الحياة بعد الموت، على قدرته على بدء خلق المخلوق الحيّ ثمّ إماتته وإفنائه، دليل برهانيّ، إذ الرّبّ الخالق أزليّ الذّات، وأزليّ الصّفات، وهو على الدّوام محيط بكلّ شيء علما، وممّا هو داخل في علمه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- كلّ جزء صغر أم كبر من ذوات مخلوقاته وصفاتها، مهما تبدّلت وتحوّلت في أطوار وجوداتها، وبنائها وتناقصها حتّى فنائها.
قول اللّه عزّ وجلّ:
* فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (70) .
بعد إقامة الدّليل البرهاني، انتقل البيان القرآنيّ إلى توجيه الموعظة بالترهيب في هذه الآيات الثلاث.