معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 593
عزلهم عزل إذلال وإهانة، وبعد وضعهم في المقدّمة على مقربة من أبواب جهنّم.
بعد ذلك لتقذفنّ هؤلاء إلى الدّرك الذي يستحقّون فيه عذاب الحريق بالنار في جهنّم، إذ كلّما كان الدّرك أكثر تسفلا في جهنّم كان أشدّ حريقا، وأشدّ عذابا.
هذا المعنى لم يأت التعبير عنه في العبارة القرآنيّة بأسلوب ذي دلالة مباشرة، إنّما جاء بأسلوب الكناية، ذات اللّوازم الفكرية الموصلة إلى الإشعار بهذا المعنى.
فكون اللّه عزّ وجلّ أعلم بالّذين هم أولى وأجدر بجهنّم احتراقا بلهب نيرانها، من سائر مستحقّي العذاب فيها، مع ملاحظة أنّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، يستلزم عقلا أن يبدأ اللّه عزّ وجلّ بقذفهم إلى دركاتهم في جهنّم دار عذاب المجرمين، قبل سائر المجرمين.
وجاء التعبير بضمير المتكلّم العظيم: ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ لأن الحديث يتعلّق بجبروت سلطان الرّبّ وقهره، وتنفيذ أحكامه العادلة، فالمناسب فيه ضمير المتكلّم العظيم.
وكون اللّه عزّ وجلّ يبدأ بالّذين هم أولى بجهنّم احتراقا وتعذيبا، فيأمر ملائكته المصاحبين حشرهم وسوقهم، وإحضارهم حول جهنّم جثيا، ونزع الّذين كانوا منهم في الدنيا أشدّ على الرّحمن عتيّا، بقذفهم إلى الدّركات الّتي يستحقّونها فيها، يدلّ على أنّ اللّه عزّ وجلّ يلحق بهم سائر الكافرين المكذّبين بيوم الدّين المحضرين حول أبواب جهنّم جثيا، فيأمر ذوي الاختصاص من ملائكته بقذفهم إلى الدّركات الّتي يستحقّونها بحسب جرائمهم، وينفّذ الملائكة أمر اللّه بشأنهم، فيوزّعونهم في دراكات جهنّم