معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 595
فقول اللّه تعالى خطابا لعموم الناس وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها أي: وما أحد منكم إلّا وارد جهنّم، دخولا فيها، أو عبورا على الصراط المشرف عليها، الّذي يضرب على وسط أعلاها من حافّة إلى حافّة.
الواو عطفت الجملة على ما سبقها من جمل. و"إن"حرف نفي بمعنى"ما"والجملة فيها قصر بالنّفي والاستثناء. أي: وما أحد منكم أيّها الناس إلّا له صفة ورود جهنّم يوم الدّين.
* كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا: أي: كان بقضاء اللّه وقدره هذا الورود عى جهنّم، أمرا أوجب ربّك على نفسه أن ينفّذه، فهو أمر حتم التّنفيذ، وهو سوف يكون منجّزا مقضيا لا محالة.
حَتْمًا: أي: واجبا قضاه اللّه قضاء مبرما. يقال لغة: حتم بكذا يحتم حتما، أي: قضى وحكم. ويقال: حتم الأمر، أي: أحكمه.
ويقال: حتم عليه الأمر، أي: أوجبه، فالأمر حتم. ويقال: انحتم الأمر، وتحتّم، أي: وجب وجوبا لا يمكن إسقاطه.
مَقْضِيًّا: أي: سوف يكون منجّزا واقعا بالأمر التكوينيّ لا محالة، في الوقت المحدّد لتنفيذه.
ومعلوم أنّ للّه جلّ جلاله وعظم سلطانه- أن يوجب على نفسه ما شاء بقضائه وقدره، وممّا ألزم به نفسه تبارك وتعالى: أنّه حرّم الظّلم على نفسه، وأنّه لا يخلف الميعاد. وما أوجبه اللّه على نفسه، هو من قضائه وقدره، ومن أحكامه الّتي يبرمها.
والورود على الصّراط الّذي يضرب على ظهراني جهنّم له أحوال تلائم أحوال الواردين عليه، فالمحسنون يمرّون كطرف العين، وتتنازل الدّرجات، فمن المؤمنين من يمرّ على الصّراط كالبرق، ومنهم من يمرّ كالرّيح، ومنهم من يمرّ كالطّير، ومنهم من يمرّ كأجاويد الخيل.