معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 609
القرون السابقة، كقوم عاد، وقوم ثمود، وقوم فرعون، قد أهلكهم اللّه عزّ وجلّ إهلاكا شاملا مقرونا بتعذيب، بسبب عنادهم وإصرارهم على الكفر، وإمعانهم في جرائمهم، مع أنّهم كانوا أحسن من كفّار مكّة في كلّ ما يفتخرون به على المؤمنين المسلمين، من أنّهم خير مقاما وأحسن نديا، فلم يغن عنهم شيئا ما كانوا يتمتّعون به من زينة الحياة الدّنيا، وما كانوا يفتخرون به، من أجسام حسنة معجبة، ذوات بهاء ورونق وجمال.
إنّ الاغترار بمظاهر الحياة الدنيا سمة الّذين ليست لهم عقول يعقلون بها أهواءهم وشهواتهم، عن أن تنطلق بهم إلى مهالكهم.
وهذا الرّدّ القرآنيّ قد تضمّن حجّة صحيحة تقبلها العقول السّليمة، إذ هي مستندة إلى واقع من التاريخ البشريّ، فوقائع التاريخ الّتي تعرف أسبابها تتضمّن حججا صحيحة من الدرجة الأولى، وقد تصل إلى مستوى الحجج البرهانيّة.
قول اللّه عزّ وجلّ مخاطبا المؤمن الداعي إلى سبيل ربه:
قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75) :
تمهيد:
بعد تقديم الحجّة الدامغة في الآية السابقة (74) أبان اللّه عزّ وجلّ في هذه الآية (75) سبب كون الّذين كفروا يتمتّعون بزينة الحياة الدنيا وأموالها وزخرفها، وهو أنّ اللّه بحكمته- جلّ جلاله وعظم سلطانه- يمدّهم بعطاءات رحمته، ليوفّيهم نصيبهم المقدّر لهم من متاعات الحياة الدّنيا، في ظروف امتحانهم الامتحان الأمثل.
وعلى طريقة التّنويع في الأساليب البيانيّة كلّف اللّه الداعي إلى