معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 612
ويمكن أن يكون لازم المفهوم من العبارة على معنى"الإمهال"هو كما يلي: فليستفد المنغمس في الضّلالة من إمهال اللّه له، بمراجعة نفسه وتوبته، إن كان لديه استعداد لذلك. أو فليتماد في غيّه وضلاله ما شاء أن يتمادى، وليتابع مسيرته الظّالمة المجرمة ممعنا فيما هو فيه، ومستغرقا في استمتاعاته، بما أمدّه اللّه به من وسائل متعه ولذّاته، وتحقيق أهوائه وشهواته إلى أقصى حدّ يستطيع اغتنامه في حياته الزّائلة، فسوف يلاقي حتما مصيره، خيبة وحسرة وندامة وعذابا أليما.
وهذا نظير أن يقال لذي نهم وشره يزدرد الطّعام ازدرادا: فليطعمه المطعمون من كلّ المآكل الّتي يشتهيها، حتّى ينفجر بطنه ويسقط صريعا.
أي: فليفعل بنفسه ما يشاء ممعنا في غيّه، حتّى يلقى مصيره آلاما وأوجاعا وهلاكا، ما دام معاندا لا يستجيب لنصح ولا لموعظة حسنة تهديه إلى رشده، وحسن عاقبته.
ونظيره أن يقال لمغامر عنيد يعبر الصّحراء الّتي ستفضي به إلى تهلكته: فلتعطه الصّحراء كلّ أبعادها، فسيكون الهلاك مصيره لا محالة.
وهذا لون من الأدب في البيان مستعمل بكثرة في عبارات النّاس، دون أن يدركوا أنّه تعبير يراد به لازم معناه.
ويحتمل أن يكون المراد: فلا تعترض أيّها المتعجّب من إمهال اللّه للكافرين، ومن إمدادهم بعطاءات رحمته، دون معاجلتهم بالعقاب، فحكمة اللّه عزّ وجلّ قضت بذلك، وعيشهم في الحياة الدنيا قصير، وسوف يلقون سوء المصير، إن عاجلا في الدنيا، وإن آجلا إلى ما بعد الموت.
والغرض من الإمهال بالنّسبة إلى الكافرين المعاندين المصرّين على كفرهم، بعد إدراكهم للحقّ الرّبّانيّ، ورفضهم الاستجابة لدعوته، قد جاء