معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 650
قول اللّه عزّ وجلّ:
* أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا (91) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا (95) .
أي: تكاد السّماوات يتفطّرن منه، وتكاد تنشقّ الأرض، وتكاد تخرّ الجبال هدّا، لأجل الشنيعة الكبرى في ذات اللّه وصفاته، الّتي دعوا فيها للرّحمن ولدا، كذبا وافتراء عليه، زاعمين أنّ الخالق الأزليّ الأبديّ الّذي ليس كمثله شيء، مثل خلقه، يتّخذ زوجة وينجب منها ولدا، وهو منزّه عن ذلك. ولزمهم أن يتصوّروا أنّ هذا الولد جزء منفصل عن أبيه الخالق الأزليّ، فله مشاركة للّه سبحانه في خصائص ذاته وصفاته، فهو ربّ مثله، ويستحقّ أن يعبد، إلى غير هذه من ضلالات كبريات شنيعات.
لقد دعوا أنّ للرّحمن ولدا كذبا وزورا وافتراء على اللّه [و] حال كمال ذات اللّه وصفاته وتنزّهه عن مشابهة الحوادث ما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) وهو خالق كلّ موجود سواه، ومفيض عطاءات ربوبيّته على عباده جميعا برحمته.
[ما يَنْبَغِي] : أي: ما يليق وما يصلح بذات الرّحمن وصفاته أن يكون له ولد مشتقّ منه، أو منسوب إليه بالتّبنّي.
إنّ اتّخاذه الولد من المستحيلات العقليّة المناقضة بشدّة للحقيقة والواقع، بسبب أنّ كلّ من في السماوات والأرض خلق من خلقه وعبيده، ومملوكون له، فكيف يكون واحد منهم ولدا نسبيّا له؟!. هذا تناقض ظاهر، الولد النّسبيّ لا يكون مخلوقا لأبيه، والعبد المملوك المخلوق لا يكون ابنا لخالقه مشتقا من ذاته، لأنّ كلّ مخلوق للّه عزّ وجلّ يتمّ خلقه وإيجاده بأمر التّكوين الرّبانيّ:"كن"فالمخلوق"يكون"دون أن ينفصل شيء من ذات خالقه، فيكون فيه.