معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 669
جاء في هذا الدّعاء توكيد الخبر فيه بمؤكّدين:"إنّ- والجملة الإسمية"مع أنّ اللّه عزّ وجلّ أعلم به من نفسه، فكيف يؤكد الخبر في دعائه لربّه.
أقول: لمّا كان الغرض من الخبر الذي اشتمل عليه الدعاء استعطاف ربّه واسترحامه، صحّ أن يؤكّد زكريّا عليه السّلام شدّة استرحامه واستعطافه ربّه، فهو يؤكّد الدّعاء المراد بعرض الخبر.
والاسترحام والاستعطاف هنا هو لازم الإخبار بأنّ عظمه قد وهن، وأنّ رأسه اشتعل شيبا، وفي الدّعاء يحسن التوكيد، لأنّه بمثابة الإلحاح فيه.
(2) ومن طرائق الإطناب:"وضع الاسم الظاهر موضع الضمير"لداع أو أكثر من الدواعي البلاغية، ومن هذه الطريقة في السّورة، قول اللّه عزّ وجلّ بشأن النصارى الذين اختلفوا في حقيقة عيسى عليه السّلام:
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (38) .
كان الظاهر أن يقال:"لكنّهم اليوم في ضلال مبين"لكنّ النّصّ جاء على خلاف هذا، إذ وضع الاسم الظاهر: الظَّالِمُونَ بدل الضمير.
والداعي البلاغيّ الإعلام بأنّ الكافرين يدخلون في عموم الظالمين.
(3) ومن طرائق الإطناب التوكيد بضمير الفصل، ومنها في السّورة، ما حكاه اللّه عزّ وجلّ عن قول أبي إبراهيم عليه السّلام له:
قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ ... (46) .
هذا تعبير قرآنيّ عمّا قاله الأب الوثنيّ الكافر، لابنه النبيّ الرسول إبراهيم عليه السّلام.