معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 46
[بِقَبَسٍ] : القبس: لفظ يطلق على النار، ويطلق على شعلة منها.
وقد دلّت عبارة: [لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ] على أنّ موسى عليه السّلام وأهله كانوا بحاجة إلى نار يوقدونها، وأنّ الزناد الذي كان معه لم يور فلم يستطع إيقاد النار الّتي يحتاجون إليها.
ودلّت عبارة: [أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً] على أنّهم كانوا تائهين عن الطريق الموصل إلى مصر، فهم بحاجة إلى من يهديهم، ويدلّهم على الطريق. ودلّ حرف [عَلَى] دون"عند"على أنّ موسى عليه السّلام قصد المشرفين على إيقاد النار، لأنّهم يكونون أصحاب معرفة بالطريق غالبا.
نظرة إلى ما جاء في النّصوص القرآنيّة الأخرى بشأن هذا الحدث:
(1) جاء بيان هذا الحدث في سورة (النّمل/ 27 مصحف/ 48 نزول) بقول اللّه عزّ وجلّ:
إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) .
[بِشِهابٍ] : الشهاب: الشّعلة الملتهبة من النار.
[تَصْطَلُونَ] : أي: تستدفئون. وهذه العبارة تدلّ على أنّهم كانوا يعانون من شدّة البرد.
ولكن جاء في هذه الآية قول موسى لأهله على سبيل الجزم:
سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ.
بينما جاء التعبير في آية سورة (طه) على سبيل الترجّي لا على سبيل الجزم، إذ قال فيها: لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (10) ، فكيف نوفّق بين العبارتين؟
أقول: يظهر أنّ موسى عليه السّلام لمّا رأى نارا فرح برؤيتها، فقال