فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 47
دون تريّث عبارته على سبيل الجزم، كما جاء في آية (النمل) . ولمّا هدأت فرحته، عدّل عبارته فجاء بها على سبيل الترجّي، كما جاء في آية (طه) إذ رأى أنّ الجزم في مثل هذا لا يليق بحكيم عاقل رشيد، وربّما قالت له زوجته: هل أنت واثق ممّا تقول على سبيل الجزم، فتراجع عن جزمه، وعدّل عبارته، فجعلها بصيغة الترجّي.
(2) وجاء بيان هذا الحدث في سورة (القصص/ 28 مصحف/ 49 نزول) :
فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) .
الجذوة: مثلّثة الجيم في اللغة، وهي الجمرة الملتهبة.
أضافت هذه الآية من سورة (القصص) أن رحلة عودته إلى مصر كانت بعد أن قضى أجل خدمته لصهره أبي زوجته، وكانت أوفى الأجلين وأكملهما، وهما (8) أو (10) سنوات.
وأضافت بيان أنّ النّار التي آنسها قد رآها من جانب جبل الطور، ويسمّى عند الإسرائيليين:"جبل اللّه حوريب".
وجاء التعبير في آيتي (النمل) و (القصص) بعبارة: [بِخَبَرٍ] * أي: بخبر عن الطريق الموصل إلى مصر. أمّا التعبير في آية (طه) فقد جاء بعبارة:
أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً، والمراد خبر يهديه الطريق الموصل إلى مصر، فهو من التفنّن في التعبير، قالوا: ولم تكن نارا ذات لهب يحرق، وإنّما هو نور على شكل نار.
فالآيات الثلاث متكاملات، وفي بعضها بيان عن التعديل الذي جاء في عبارة موسى عليه السّلام، من الجزم إلى الترجّي، مع ما في تغيير بعض العبارات من تفنّن بياني.