فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 56
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (15) :
أي: إنّ ساعة البعث للحياة الأخرى يوم الدّين، آتية لا محالة، لأنّها إحدى بنود خطّة الخلق الرّبّاني للمخلوقين في الحياة الدّنيا للابتلاء.
وبما أنّ الخلق في الحياة الدّنيا للامتحان قد تحقّق، وهو القسم الأوّل من حكمة الخلق، فلا بدّ أن يتحقّق القسم الآخر من حكمة الخلق، وهو الحياة الأخرى، لتحقيق الحساب، وفصل القضاء والجزاء.
[أَكادُ أُخْفِيها] : اشتغل المفسّرون في فهم المراد بهذه العبارة، وذهبوا في هذا مذاهب متعدّدة من التأويلات، وأرى أنّها لا تحتاج إلى كلّ ذلك إذا فهمنا منها: أنّ اللّه عزّ وجلّ كاد يخفي الإخبار عن السّاعة كلّها، لا عن وقت حدوثها فقط، مكتفيا بالدّليل العقليّ الذي يدلّ عليها، وهو الدليل المستند إلى حكمة اللّه عزّ وجلّ، لكنّه جلّ جلاله لم يفعل، بل أخبر عن قيام الساعة، نظرا إلى أنّ الناس قلّما يهتدون إلى الدليل العقليّ الذي يدلّ عليها، ما لم ينبّهوا عليها تنبيها مقترنا بالإخبار عن حدوثها، وعمّا يكون بعدها، فكان من الحكمة الإخبار عن السّاعة بصريح العبارة، مع التّنبيه على الدليل العقلي الذي يدلّ عليها، كقول اللّه عزّ وجلّ في سورة (التين/ 95 مصحف/ 28 نزول) :
فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (8) .
[لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى] : أي: لتجزى يوم الدّين كلّ نفس موضوعة في الحياة الدّنيا موضع الامتحان، بما تسعى على تتابع الزّمن في هذه الحياة الدنيا.
الجزاء: مقابلة العمل بما يلائمه من خير أو شرّ، فيكون بمقابلة الحسنة بمثلها فما فوق تفضّلا، وبمقابلة السّيّئة بمثلها فما دون تجاوزا وصفحا.