معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 524
يمضي شيئا فشيئا، إذ قد يكون هو الوقت المختار لإنزال بأس اللّه في الذين يقضي اللّه بإهلاكهم من أمم الكفر، وكم من قرية كفر أهلها وظلموا وطغوا وبغوا فجاءهم بأس اللّه بياتا، وهم نائمون ليلا.
يسري: أي: يمضي. وقد يكون من فعل"سرى فلان يسري"إذا مشى ليلا، وجاء وصف اللّيل هنا بأنّه يسري على معنى أنّه يسرى فيه، كما يقال: نهاره صائم، وليله قائم.
وهذا من المجاز العقلي، كما يقول كثير من علماء البلاغة، إذ جاء فيه إسناد الفعل إلى زمن فعل الفاعل، لا إلى الفاعل نفسه.
وفي القسم باللّيل إذا يسري إشارة إلى تبييت اللّه الناس بالعذاب، إذا حقّت عليهم كلمة العذاب، لأنّ اللّيل هو الوقت الذي يكثر اختيار اللّه له، ولا سيما أواخره، ومع انبعاث الفجر، لإنزال العذاب وإهلاك من قضى اللّه بإهلاكهم.
وفي هذا القسم وعيد للمجرمين المكذبين برسالة رسول اللّه، الّذين يعملون على اضطهاد المؤمنين وتعذيبهم والإفساد في الأرض، بأنّهم يعرّضون أنفسهم لإنزال عقاب اللّه فيهم، وإهلاكهم كما أهلك نظراءهم من مجرمي القرون الأولى.
ودلّ على الوعيد استعمال لفظ"إذا"في قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (4) فهو ظرف لما يستقبل من الزمن.
أي: فسنّة اللّه في تبييت المجرمين بالمعذّبات والمهلكات سنّة ثابتة، يجري تنفيدها كلّما قضت حكمة اللّه بإهلاك مجرمين لاحقين، إلى أن تقوم