معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 159
وقد كانت تفصيلات دعوة موسى وهارون الإيمانيّة قد بلغتهم من قبل، إذ كانا ينشرانها بين الإسرائيليّين وبين المصريّين، وكان المصريّون يتناقلونها عنهما، دون أن يؤمنوا بها، وكانت هذه التفصيلات الإيمانيّة مستقرة في مخازن ذاكرات السّحرة، فلمّا رأوا البرهان العظيم، بابتلاع عصا موسى الّتي انقلبت حيّة حقيقيّة كلّ حبالهم وعصيّهم السّحرية، ولم يبق لها أثر، ورأوا أنّ موسى عليه السّلام أقبل إلى الحيّة العظيمة، فتناولها بيده فعادت عصا كما كانت، وليس في ساحة المبارات من أدوات سحرم شيء، تيقّظت فيهم فطرهم الإيمانيّة، وخافوا من عذاب اللّه المعجّل والمؤجّل إلى يوم الدّين، تحوّلوا إلى دعاة إلى دين اللّه الحقّ.
وربّما تقدّم كبيرهم أو بعض كبرائهم يدعون فرعون بالنيابة عن السّحرة جميعا، إلى الإيمان بما جاء به هارون وموسى، وأنذروه بعذاب اللّه يوم الدّين، في جهنّم دار عذاب المجرمين بالحريق، وأطمعوه بالدّرجات العلا في جنّات عدن إن آمن وعمل صالحا، لأنّ هذا الثواب العظيم هو ثواب كلّ من يأتي ربّه مؤمنا قد عمل صالحا، وثواب كلّ من تزكّى، فطهّر نفسه من أرجاس الكفر والعصيان، ونمّاها بفعل الخيرات والصالحات.
التدبّر التحليلي:
قال اللّه عزّ وجلّ:
[سورة طه (20) : الآيات 61 إلى 64]
قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (61) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (62) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (64)