فهرس الكتاب

الصفحة 5185 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 183

ولا بدّ أن يكون السّحرة قد نفوا عن أنفسهم هذه التّهمة، وأنّهم أسرّوا النجوى لإعداد خططهم سرّا، حتّى لا يبلغ موسى شيء من ترتيباتهم، فيعدّ أعمالا سحريّة مضادّة لها.

وكان فرعون حريصا على أن يستبقي السّحرة قوّة معنويّة لنظام حكمه، وقوّة معنويّة لملّته، ولملّة القبط السائدة في مصر حينئذ، إذ اتّخذ نفسه فيها إلها مطاعا في كلّ شيء، فأبعد أجل ما توعّدهم بكلام دلّت عليه عبارة: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أي: وبعد إمهالكم مدّة يكون عقابي فوريّا إذا لم تتوبوا أو لم ترجعوا إلى ملّتي وطاعتي.

كلمة"سوف"تستعمل غالبا للتّأجيل الطويل، أو لما هو في حكمه، بخلاف"السين"فإنّها تستعمل غالبا للتأجيل القصير، أو لما هو في حكمه.

وغرضه من هذا التأجيل الذي فيه فسحة مطوّلة، أن يتراجعوا ويعلنوا توبتهم، وعودتهم إلى ما كانوا عليه، أنصارا وقوّة معنويّة لفرعون، ولدينه، ولنظام حكمه الإداري.

وجاء توعّده بعبارة: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) ، أي: إن لم تتوبوا وترجعوا إلى حظيرتي.

تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف يكون بقطع اليد اليمنى والرّجل اليسرى، أو بقطع اليد اليسرى والرّجل اليمنى، وهذا النوع من التشويه العقابيّ في الأعضاء أخفّ ضررا من قطع اليمنى من كلّ منهما، أو اليسرى من كلّ منهما، لأنّ السّالمة تعين المقطوعة من جهتها.

وزاد فرعون في توعّده وتهديده، فأعلن لسحرته أنّه سيتركهم مقطّعي الأيدي والأرجل من خلاف زمنا يعذّبون فيه، ثم ليصلّبنّهم أجمعين،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت