فهرس الكتاب

الصفحة 5187 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 185

وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا:

وَما تَنْقِمُ مِنَّا: أي: وما تنكر علينا وما تكره منّا. يقال لغة:"نقم الشّيء ينقمه، ونقمه ينقمه"، أي: أنكره وكرهه.

والمعنى: أنت تعلم يا فرعون أنّنا لم يكن منّا مكر في المدينة مع موسى، وإنّما أنكرت وكرهت منّا أنّنا آمنّا بآيات ربّنا لمّا جاءتنا، وخشيت أن يكون إيماننا سببا في إيمان شعب مصر باللّه ربّ العالمين، وإسلامهم له، وخروجهم عن الإيمان بملّتك، وعن نظام حكمك.

وبعد هذا أعلن السّحرة التجاءهم إلى ربّهم داعين:

رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (126) :

أشعر السّحرة فرعون في هذا الدّعاء بأنّهم مصمّمون على موقفهم، وأنّهم لن يتراجعوا، وأنّهم مستعدّون لتحمّل ما توّعدهم به حتّى الموت، فهم يسألون اللّه ربّهم أن يصبّرهم، وأن يثبّتهم على الإسلام، حتّى إذا جاءت مناياهم توفّاهم في آجالهم مسلمين.

والمعنى: ربّنا نسألك أن تفرغ علينا إناء واسعا كبيرا مملوءا بالصّبر، حتّى يجلّلنا، فنصبر على عذاب فرعون.

وربّنا نسألك أن تتوفّانا حالة كوننا مسلمين لك، مستسلمين لأوامرك ونواهيك، ومطيعين لك فيها.

جاء في هذه العبارة استعارة"أَفْرِغْ عَلَيْنا"للدّلالة على معنى: أنزل علينا. تشبيها للصّبر بماء بارد يطفئ حرارة التّعذيب، فلا يكون معه شعور زائد بالألم، وهذا الماء البارد موضوع في إناء واسع كبير مالئ له، ويكون إنزاله إفراغا بسرعة تدفع حرارة التعذيب بسرعة، ولا يكون على طريقة إلقاء قطرات فقطرات، أو حفنات فحفنات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت