فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 187
فعدّي تعديته، أي: آمنتم به وأسلمتم له، والتقدير مع الإيجاز في التعبير يكون كما يلي: فآمنتم به مسلمين له، فأغنت الجملة الواحدة بهذه التعدية عن جملتين، وهذا من روائع الإيجاز القرآني.
الفكرة الثانية: قول فرعون للسّحرة عن موسى عليه السّلام، ما دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ حكاية عنه: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ، أي: إنّ موسى هو كبير السّحرة، وهو الذي علّم جميع سحرة مصر أصول السّحر وأعماله، ليعدّ نفسه مستعينا بهم للاستيلاء على ملك مصر، ويجعل السّحرة شركاءه في الحكم.
هذه مقالة افترائيّة قالها فرعون للسّحرة على سبيل الاتّهام الباطل، والتّزييف للواقع والحقيقة.
إنّ فرعون هو الذي أمر بجلب كلّ السّحرة من المدائن المصريّة، ولم يسبق لهم أن التقوا موسى عليه السّلام، وفرعون يعلم علما يقينيّا بأنّ موسى كان فارّا من الحكم المصريّ، خوف أن يقتل جزاء قتله القبطيّ خطأ، انتصارا للإسرائيليّ، وخطؤه كان بسبب أنّ قوّة وكزته أعظم من احتمال الإنسان العاديّ لها، وأنّه كان أيّام فراره خارج حدود مصر كلّها، وفي أرض لا سلطان للحكم المصريّ عليها حينئذ، ويعلم فرعون أيضا أن موسى عقب عودته إلى مصر مباشرة، استأذن هو وأخوه هارون بأن يدخلا قصره لمقابلته، فأذن لهما، وجرى ما جرى، ومنذ ذلك الحين صار هو وأخوه محلّ مراقبة عيون فرعون. وقد كان السّحرة منتشرين في المدائن المصريّة قبل عودة موسى إليها، وكانوا هم القوّة المعنويّة لدين فرعون ونظام حكمه الإداريّ.
فعلى أيّة شبهة بنى فرعون اتّهام موسى واتّهام سحرته بأنّه كبيرهم الّذي علّمهم السّحر؟!.