فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 188
هذا هو حال الحكّام والملوك الجبابرة الظّلمة، يقذفون الاتّهامات ضدّ خصومهم، أو مخالفي إراداتهم وأنظمتهم، وهم منها برءاء براءة واضحة جليّة، ليزيّنوا لشعوبهم أسباب التخلّص منهم، وليعذّبوهم بناء على تحقّق اتّهامهم بها كذبا وتزويرا.
ومن المعتاد أنّ جماهير عامّة الشعب يصدّقون مقالات جبابرة الحكّام بغباء، ويردّدونها ترديدا ببّغائيّا، ويساند جبابرة الحكّام في العادة منتفعون من قبلهم، ويكون لهؤلاء دعايات وأقوال مقبولة لدى الجماهير الّتي لا علم لها بألاعيب السياسة وأكاذيب السّاسة الجائرين الظالمين الجبّارين.
الفكرة الثالثة: توكيد عزمه على تقطيع أيدي السّحرة وأرجلهم من خلاف، وعلى تصليبهم أجمعين، بعبارة تفيد التوكيد في لغته.
وقد دلّت عليه لام الابتداء المؤكّدة في عبارة: فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، بينما جاءت في نصّ الأعراف: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.
الفكرة الرابعة: قول السّحرة لفرعون بعد أن هدّدهم وتوعّدهم إذا لم يعودوا إلى حظيرته كما كانوا، ما دلّت عليه العبارة القرآنيّة: لا ضَيْرَ، أي: لا نعتبر ما ستنزله بنا بمقتضى تهديدك ضارّا لنا، بل هو يزيدنا عند ربّنا سعادة وأجرا عظيما، وما نلقاه من جنودك وزبانيتك لا يزيد في اعتبارنا على كونه أذى. ومن هذا المعنى قول اللّه عزّ وجلّ للمؤمنين عن الكافرين: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً (آل عمران الآية 111) .
يقال لغة:"ضاره أمر كذا يضيره، وضاره يضوره"، أي: أضرّ به.
إنّ السّحرة بعد إيمانهم وإسلامهم، قد صارت لديهم بصيرة إيمانيّة نفّاذة، وتعلّق كامل بالآخرة، واستهانة بالدّنيا وما فيها، فقالوا لفرعون:
لا ضَيْرَ، وقالوا له كما جاء في سورة (طه) في اللّقاء الثالث: