فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 192
قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (73) :
(أ) لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا:
أي: لن نؤثر حججك الواهية الضعيفة للإقناع بدينك ونظام حكمك الظالم الغاشم المستبدّ، على ما جاءنا من البيّنات الحقّ من ربّنا.
ولن نؤثرك على الّذي فطرنا وخلقنا، وجعل الحياة الدّنيا مرحلة ابتلاء واختبار وجعل الآخرة غاية حساب وفصل قضاء وجزاء، وهي الحياة الباقية الخالدة.
لن نؤثرك: أي: نؤكّد لك أنّنا لن نختارك ولن نفضّلك يا فرعون مهما هدّدتنا، ومهما أطمعتنا بما عندك من خير.
(ب) عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا: أي: فاقطع رجاءك ونفّذ وعيدك الذي توعّدتنا به إذا شئت.
هذه العبارة تدلّ على أمرين:
الأمر الأوّل: يتعلّق بمعرفتهم الجليّة، ويقينهم الكامل، بما جاءهم من البيّنات.
وهذه البيّنات تشمل البراهين العقليّة، والآيات الإعجازيّة، وفي مقدّمتها عصا موسى، الّتي انقلبت بأمر اللّه التكوينيّ فصارت حيّة عظيمة، وابتلعت ابتلاعا حقيقيّا لا صوريّا، كلّ أدواتهم السّحرية، الّتي كانوا قد أعدّوها للمباراة، فلم تبق منها شيئا، ثمّ عادت بأمر اللّه التكوينيّ عصا كما كانت، بمجرّد أن قبض عليها موسى عليه السّلام.
الأمر الثاني: يتعلّق بإيمانهم الكامل الصّحيح الصّادق باللّه الذي