فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 193
خلقهم وأبدع إيجادهم على نظام الفطر، من العمق الباطن الذي يحتوي خريطة وجودهم وصفاتهم، إلى الظاهر المطابق تماما لما في الخريطة المستقرّة في العمق، فهو جلّ جلاله وعظم سلطانه الذي خلقهم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا، وجعل الحياة الدّنيا مرحلة قصيرة جدّا للامتحان، وجعل الآخرة الحياة الخالدة، التي يكون فيها الحساب وفصل القضاء، وتحقيق الجزاء.
(ج) فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا:
أي: فأمض بأمرك ما أنت قاضيه علينا، فإنّه لا يزيد على إنهاء هذه الحياة الدّنيا، بأن تأمر بتعذيبنا حتّى موتنا.
[فَاقْضِ] : أي: فأمض، القضاء: هو في اللّغة إمضاء الشّيء وإنهاؤه وإتمامه، إرادة، أو قولا، أو فعلا، أو غير ذلك.
(د) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ:
أي: واعلم يا فرعون أنّنا آمنّا بربّنا فاطرنا، ليغفر لنا بإيماننا ما سلف من خطايانا، ويظهر أنّ هذه الحقيقة الدينيّة قد تعلّموها من موسى وهارون عليهما السّلام، بعد الموقفين السابقين أمام فرعون.
فأعلموا فرعون بأنّ الإيمان بعد كفر يجبّ الآثام السابقة الّتي كانت في جنب اللّه، فهم مطمئنّون بأنّ اللّه عزّ وجلّ سيغفر لهم خطاياهم السّابقة الّتي ارتكبوها. ومن هذه الخطايا ما أكرههم عليه من السّحر، إذ جلبهم بالقسر من مختلف المدائن المصرية، وفرض عليهم أن يعدّوا وسائلهم السّحريّة لمباراة آية موسى المعجزة، وفرض عليهم أن يمارسوا كفريّات وشركيّات لاستخدام كفرة الجنّ ومردتهم، لمساعدتهم في أعمالهم السّحريّة.
(ه) وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى: أي: وإذا كنت تطمعنا بخيراتك إذا عدنا