فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 195
منه، نار جهنّم، وهو فيها دائم البقاء، لا يموت فيستريح بالموت من العذاب، ولا يحيا حياة مريحة خالية من العذاب، بل يكون في عذاب دائم متجدّد مهما امتدّ الزمان، لأنّ اللّه عزّ وجلّ لو أبقاه في الحياة الدنيا خالدا مخلّدا، لبقي كافرا بربّه جاحدا له مجرما عاصيا بلا نهاية، فكان عقاب كفره الأبديّ فيما لو أبقاه اللّه عزّ وجلّ في الحياة الدنيا أبدا بلا نهاية، أن يخلد في عذاب جهنّم خلودا أبديّا بلا نهاية.
[مُجْرِمًا] : أي: كافرا، غير مسلم ولا مؤمن.
جاء في القرآن لفظ"المجرمين"عنوانا مقابلا للمسلمين الصادقين، أي: المسلمين المؤمنين. وجاء وصفا للكافرين الّذين أهلكهم اللّه عزّ وجلّ في الدنيا إهلاكا عامّا مستأصلا، كقوم نوح عليه السّلام، وقوم هود عليه السّلام، وقوم صالح عليه السّلام. وجاء وصفا للّذين يعذّبون بعذاب الحريق في نار جهنّم. وجاء لفظ"المجرم"مقابلا للفظ"المسلم"، ولا يكون المكلّف مسلما صادقا، ما لم يكن مؤمنا حقّا وصدقا. فدلّت هذه الاستعمالات القرآنيّة على أنّ المجرم في المصطلح القرآنيّ هو الكافر الذي يستحقّ الخلود في عذاب النار، إذ لا هو مسلم ولا هو مؤمن.
فجاء في العبارة لفظ [مُجْرِمًا] إجمالا لعبارة: غير مسلم ولا مؤمن، وهذا من الإيجاز في التعبير.
"من"في عبارة: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا اسم شرط جازم، وجواب هذا الشرط: فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ.
والضمير في [إِنَّهُ] هو ضمير الشّأن.
* وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (76) :
أي: ومن يأت ربّه بعد موته ويوم الدّين مسجّلا في صحيفة أعماله،