فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 246
فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) :
أَنْ يَفْتِنَهُمْ أي: أن يعذّبهم إذا آمنوا بموسى وأسلموا له.
وكان اتّباع هؤلاء لموسى عند الخروج بهم من مصر اتّباعا قوميّا قبليّا.
ويدلّ على هذا الفهم الاستئناس بما جاء في الإصحاح (14) من سفر الخروج، وهو قول الإسرائيليين في حكايتهم لحادثة الخروج والنجاة من فرعون وقومه، وما صنعه الرّب بهم من إغراق، وإهلاك:
"31 ورأى إسرائيل الفعل العظيم الّذي صنعه الرّبّ بالمصريّين."
فخاف الشّعب وآمنوا بالرّب وبعبده موسى"."
هذا يدلّ على أنّهم لم يكونوا قد آمنوا من قبل، وأنّ خروج كثير منهم مع موسى قد كان خروجا قوميّا قبليّا، ولم يكن طاعة للّه ورسوله.
فتصوّر أنّ كلّ بني إسرائيل الّذين خرجوا مع موسى من مصر قد كانوا مؤمنين مسلمين، تصوّر لا يؤيّده نصّ قرآنيّ، ولا خبر تاريخيّ.
إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ: أعلم اللّه عزّ وجلّ بهذا الوحي أنّ فرعون وجيشا معه سيتّبعونهم، لقتالهم، وردّ جمهورهم إلى العبوديّة والتسخير والإذلال.
ولهذا الإعلام لوازم فكريّة، أي: ولكنّي سأتولّى إنقاذكم وتنجيتكم من عدوّكم بما أشاء من وسائلي، فلا تخف من اتّباع جيش فرعون لكم، وكن أنت وقومك مطمئنين لتدبيري، وقضائي وقدري.
وجاء نظير هذا البيان في الموجز المختزل الذي جاء في النصّ الذي من سورة (طه/ 20 مصحف/ 45 نزول) وهو قول اللّه عزّ وجلّ فيه:
وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي ... (77) :