فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 250
مع أنّ الثابت تاريخيّا أنّ بني إسرائيل لم يعودوا إلى مصر بعد أن خرجوا منها، بل أبقاهم اللّه عزّ وجلّ تائهين في صحراء سينا وما حولها مما يتّصل بها برّا أربعين سنة، لأنّ معظمهم قد رفضوا أن يدخلوا أرض الكنعانيين مقاتلين، وقالوا لموسى عليه السّلام: إنّ فيها قوما جبّارين، وإنّا لن ندخلها ما داموا فيها، وقالوا له: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون.
وبعد أن توفّي هاون ثمّ موسى عليهما السّلام، ومضت أربعون سنة تائهين في الأرض، غير مستقرّين في مدن ولا قرى، وبعد أن نشأ جيل جديد قادر على القتال، هيّأ اللّه عزّ وجلّ من يقودهم، فدخلوا أرض الكنعانيّين بقتال، وهي أرض فلسطين، ونصرهم اللّه وملّكهم ما كان لملوك هذه الأرض الجبابرة الوثنيّين الكفرة، من جنّات وعيون وكنوز ومقام كريم.
وبالتأمّل والتفكير الدقيق، ظهر لي أنّ قول اللّه عزّ وجلّ: كَذلِكَ يراد به أنّه قد حصل لقوم آخرين غير المصريّين، نظير ما حصل للمصريّين مع بني إسرائيل، فنصر اللّه عزّ وجلّ بني إسرائيل عليهم، وملّكهم ما كان لملوكهم وأثريائهم من جنّات وعيون وكنوز ومقام كريم، وهنا يأتي موقع.
قول اللّه تعالى: وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ: أي: وجعلنا بني إسرائيل هم المالكين لها، بعد مالكيها السابقين، عن طريق القتال والحرب.
وبهذا ينحلّ الإشكال، ويتمّ التوفيق بين النصّ القرآنيّ وبين الواقع التاريخيّ.
ونلاحظ أنّ هذه الآية (59) قد قفزت بعبارة كَذلِكَ أكثر من خمسين سنة إلى جهة الأحداث الّتي حدثت في المستقبل، بعيدا عن حدث عبور بني إسرائيل البحر، وغرق فرعون وكلّ جنوده الّذين تابعوا بني إسرائيل معه.