معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 267
فرعون، في نصوص متعدّدات مطوّلات، ومتوسطات الطول، وموجزات، بحسب ما اقتضته المناسبات التي جاءت في سورها، والأغراض الحكيمة من الإتيان بالمقدار الذي جاء فيها، وبالملتقطات من القصّة الّتي اختيرت للبيان فيها.
والمراد بهذا الاستفهام على ما يظهر هنا، الإشعار بما يلي:
لقد سبق أن أخبرناك بحديث موسى، في سور منزّلات قبل هذه السّورة، فهل أنت ذاكر ما أتاك من حديث عنه، وكيف جاهد جهادا شاقّا بعزيمة ثابتة، وصبر جميل، في زمن طويل.
أي: فلك به أسوة، فاصبر كما صبر، ولا يضق صدرك، وتضجر ولا تشك من إعراض علية قومك عن دعوتك، أو من إدبارهم.
قول اللّه عزّ وجلّ:
إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (16) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (17) :
لقد علمنا ممّا سبق تدبّره في السورة، أنّ اللّه عزّ وجلّ ناداه أوّلا، ثمّ قرّبه نجيّا، فسارّه، والاختزال هنا اقتصر على ما كان أوّلا، وما جاء بعده تابع له، ولو لم يكن بأسلوب النّداء.
وسبق بيان الوادي المقدّس"طوى"في النصّ الذي من سورة (طه) ، وسبق فيه أيضا أنّ اللّه عزّ وجلّ قال لموسى: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (24) وقد جاء هناك التدبّر التحليليّ الكافي.
قول اللّه عزّ وجلّ:
فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (19) :
ما جاء في هاتين الآيتين مضاف إلى ما جاء في النّصوص الأخرى إضافة تكميليّة، فيها تعليم من اللّه كيف يكون القول اللّيّن في مخاطبة مثل