معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 270
فرعون في دعوته إلى دين اللّه خلال مدّة طويلة من السنين، أمهله اللّه فيها إمهالا قطع فيه كلّ أعذاره، أدبر عن الاستجابة لدعوة رسول ربّه، فأعطى بإدباره غاية الرّفض لها، ولم يكتف بالإعراض الذي هو وسط بين الإقبال والإدبار.
ثمّ لم يكتف بمجرّد الإدبار، بل أدبر حالة كونه يسعى في تدبير معارضة آية موسى الكبرى، بمفتريات سحريّة يأتي بها سحرة مصر.
وأعلن بوقاحة بالغة أنّه هو إله شعب مصر، وإله الإسرائيلين أيضا.
ولمّا خاب سعيه في معارضة معجزة موسى بسحر سحرة مصر، صار يسعى في اضّطهاد من آمن بموسى، ولو كان من بني إسرائيل.
ثم عرض على مجلس وزرائه ومستشاريه في قصره أن يقتل موسى بسرّيّة ومفاجأة تمنع موسى من أن يدعو ربّه، إذ كان فرعون مستيقنا في نفسه، من أنّ موسى رسول ربّ العالمين الذي يستجيب دعاءه إذا دعاه.
ثمّ نفخ في رأسه جنون العظمة وحبّ العلوّ في الأرض، فادّعى أنّه هو الرّبّ الأعلى في مصر، دلّ على هذا:
قول اللّه عزّ وجلّ:
فَحَشَرَ فَنادى (23) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (24) :
أي: فجمع الجموع من المصريين والإسرائيليّين، وساقهم وأعدّ احتفالا عظيما حاشدا، جرت فيه المراسيم الملكيّة الفرعونيّة، وقام في الجمع ملقيا خطاب العرش، فنادى بأعلى صوته بعد المقدّمات الّتي أبان فيها إنعاماته على شعبه قائلا: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى الّذي يقدّم لكم الأرزاق، وييسّر لكم مصالح حيواتكم، ويفعل ويفل معدّدا مآثره، ولا ربّ لكم غيري، فجعل نفسه ندّا للّه في ربوبيّته.