معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 544
الجواب: أنّ هذه الذكرى لا تنفعه، فقد انتهى زمن الابتلاء، وجاء زمن الحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء.
وقد دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ:
* وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى:
وَأَنَّى: اسم استفهام يأتي بمعنى:"من أين؟". ويأتي بمعنى:
[كيف؟] وهو هنا استفهام يراد به النفي مع الإنكار على من يتوهّم الإثبات، وفيه أيضا معنى التعجيب من حال من يتوهّم أنّ التّذكّر يومئذ ينفع صاحبه في تدارك ما فات والمبادرة إلى فعل الحسنات والخيرات.
الذّكرى: اسم بمعنى التذكّر.
فمعنى العبارة على هذا:
* من أين يأتي له نفع التّذكّر. أو كيف له أن ينفعه التذكّر، وقد انتهى زمن الابتلاء الذي ينفع العمل الصالح فيه، وجاء زمن الحساب وفصل القضاء وتنفيذ الجزاء، الذي لا ينفع العمل الصالح فيه؟!!.
* يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (24) :
أي: حين يتذكّر الإنسان الكافر ما سعى في الحياة الدنيا، ويعلم أنّ تذكّره لا يجديه نفعا في تدارك ما فات، لا يبقى لديه إلّا الندم على ما فرّط في جنب اللّه، وتمنّي أن يكون قد قدّم إيمانا صادقا صحيحا، وعملا صالحا ينجيه من عذاب اللّه، ويجعله من أهل جنّات النّعيم.
أمّا الندم فلا يرفع عنه شيئا من العذاب، وأمّا التّمنّي فلا يحقّق له شيئا من أمانيه، مهما أطال في تمنّيه العبارة، ومدّها بالنداء الطويل، لكنّه لا يملك أكثر من إطلاق عبارة التّمنّي، فيقول: يا ليتني قدّمت لحياتي.
يا لَيْتَنِي:"يا"حرف نداء داخل على عبارة التّمنّي:"ليتني"فأيّ شيء ينادي؟.