معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 545
ذكر المفسّرون عدّة آراء، منها أنّ المنادى محذوف، مثل: يا ربّ ليتني.
أقول: حرف"يا"في مثل هذا الاستعمال أشبه بأن يكون حرف ندبة وتحسّر وتفجّع أو توجّع. فالذي ينادي مثل هذا النداء فإنّه يعلن تفجّعه أو توجّعه من أجل أمنيّة تجاوزت حدّ الممكنات، ودخلت ضمن المستحيلات، أو الأمور التي لا يستطاع الحصول عليها.
قَدَّمْتُ لِحَياتِي: أي: يا ليتني قدّمت في حياتي الدّنيا لحياتي الباقية الخالدة الأخرى ما أكون به من الفائزين المفلحين، المجزيّين في جنّات النعيم.
جاء في القرآن استعمال فعل"قدّم يقدّم"بمعنى: عمل في الحياة الدنيا ما ينال عليه جزاءه في الآخرة، نظرا إلى أنّ الإنسان حين يعمل وهو مكلّف عملا إراديّا يجزى عليه عند ربّه، يكون قد قدّمه قبله لآخرته، إذ صار مسجّلا له أو عليه في كتاب عمله الّذي يؤتاه يوم الدّين، فهو عمل يسبقه لآخرته.
ولمّا كانت الحياة الدنيا حياة قصيرة زائلة لا خلود فيها، وكانت بمثابة الجسر الذي يمرّ عليه المسافر لدار إقامته الدائمة، لم تكن جديرة بأن تعتبر هي الحياة ذات القيمة.
ولمّا كانت الحياة الأخرى يوم الدّين هي الحياة الأبديّة الّتي لا نهاية لها، كانت هي الجديرة بأن يطلق عليها اسم الحياة، وعلى هذا يقول صاحب هذا التمنّي:"يا ليتني قدّمت لحياتي".
ولهذا وصف اللّه الدّار الآخرة بأنّها هي الحيوان، أي: هي الحياة الّتي تستحقّ هذا الاسم المستجمع لكل عناصره.
فقال اللّه عزّ وجلّ في سورة (العنكبوت/ 29 مصحف/ 85 نزول) :