معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 286
وخشي هارون عليه السّلام أن يتبع أخاه مصطحبا الّذين أطاعوا دون سائر بني إسرائيل، أن يحاسبه موسى عليه السّلام ويقول له: فرّقت بين بني إسرائيل، إذ جئت ببعضهم، وتركت سائرهم لا راعي يرعاهم، ولا قائد يسوس أمرهم.
فاجتهد، فرجّح البقاء في بني إسرائيل، لئلا يحدث الفرقة بينهم.
وزاد اللّه عزّ وجلّ بحكمته ميعاد موسى عشر ليال، ليمتحن بني إسرائيل، فصارت اللّيالي أربعين ليلة.
أي: ليمتحن إيمان بني إسرائيل، هل فهموا معنى الإيمان الصحيح، أم ما زالت أفكارهم متشبّثة بإله وثنيّ مشهود يعبدونه، كحال المصريّين، وكحال الذين مرّوا عليهم بعد عبور البحر، فوجدوهم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى عليه السّلام: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، فقال لهم كما جاء في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) :
[سورة الأعراف (7) : الآيات 138 إلى 140]
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (139) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (140)
ولم يعلم بنو إسرائيل بزيادة اللّيالي العشر لموسى في ميعاده، فلعبت بهم وساوس الشيطان، وتوهّموا أنّ موسى عليه السّلام لم يهتد لإلهه الّذي ذهب لمناجاته.
وظهر أنّ أذهانهم ونفوسهم ما زالت متشبّثة بإله وثنيّ، ولم تصل إلى مرحلة تجريد الرّبّ جلّ جلاله من الجسديّات الوثنيّة.
ولعبت بهم وساوس الشيطان مزيّنة لهم فكرة التخلّص من الحليّ الذّهبيّ الّذي استعاروه من المصريّين، قبيل الخروج من مصر، إذ لا حقّ