معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 297
الرّغبة الشديدة في أن يكون لهم إله وثن، يتوجّهون له في العبادة، ويقرّبون له القرابين، ويعكفون عليه، واستعان بصنّاع الحليّ منهم، فصنعوا العجل، وفق الصورة الّتي كانوا يألفونها في مصر لمعبود المصريين"إبيس"فأخذه السامريّ إلى خباء، فقذف فيه القبضة الّتي كانت معه من أثر الرسول، فجعل اللّه من أثرها أنّ هذا العجل صار له خوار كخوار العجول، لكنّه جسد لا حياة له، لامتحان جمهور بني إسرائيل، هل تخلّصوا من الوثينّة، أم ما زالت أفكارهم ونفوسهم متشبّثة بها، فخرج السامريّ من الخباء فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار، وأوحى إليهم أنّ هذا هو إلههم، وانطلت حيلته الخبيثة على الرّعاع من بني إسرائيل.
فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (88) : أي: فعجب جمهور بني إسرائيل من خواره، وانطلقت مقولة السامريّ فيهم، فقالوا:
هذا إلهكم وإله موسى حلّ في جسد العجل، ذهب موسى للقائه ومكالمته فنسي المكان الّذي كان قد لقيه فيه وهو راجع من مدين إلى مصر، لبعد العهد. وسجدوا له، وقرّبوا له القرابين، وصاروا يعكفون عليه.
أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا (89) .
هذا بيان من اللّه عزّ وجلّ، بشأن الّذين عبدوا هذا العجل الذهبيّ الجسد، من بني إسرائيل.
أي: أفقدوا عقولهم، وفقدوا حواسّهم، فهم لا يرون أنّه جماد، لا يردّ جوابا على خطاب، ولا يستطيع أن يدفع عنهم ضرّا أو يجلب لهم نفعا.
أدهشوا من خواره على خلاف معتاد الأجساد الّتي لا حياة لها، فصدّقوا السامريّ في دعوى إلهيّته، أَفلا يرون بعد اندهاشهم من خواره، وهو مجرّد صوت قد يحدث نظيره بسبب مادّيّ، كبوق مصنوع بطريقة