معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 307
إلى أجزاء صغرى كذّرات الرّمل، لننسفنّه متفرّق الذّرات في البحر.
يقال لغة:"نسف فلان الشّيء"أي: فرّقة وأذراه. ويقال:"نسفت الرّيح التّراب"أي: حملت أجزاءه الصّغرى، وفرّقته حيث اتّجهت.
ويظهر أنّ موسى عليه السّلام، أمر بإيقاد نار شديدة، أمام السّامريّ، وأمام جماهير بني إسرائيل، حول هذا الإله المصنوع المفترى به على اللّه، فلمّا حرّقه وانطفأت النّار حوله، وبرد ما انصهر منه، أمر بتفتيته إلى أجزاء صغرى دقيقة، كحبّات الرّمل الصّغرى، ليقيم برهانا عمليّا على أنّ زعم إلهيّته قضيّة مكذوبة مفتراة على اللّه الرّبّ، الذي له وحده الإلهيّة التي لا يشاركه فيها شيء في الوجود، بالغا ما بلغ، إذ كلّ ما عداه في الوجود كلّه خلق من خلقه، وإبداع من إبداعه.
جاء في الإصحاح (32) من سفر الخروج ما يلي:
"20 ثمّ أخذ العجل الّذي صنعوه وأحرقه بالنّار وطحنه حتّى صار ناعما وذرّاه على وجه الماء وسقى بني إسرائيل".
لكنّ القرآن أبان أنّ موسى عليه السّلام توعّد عبّاد العجل بأن ينسفه في اليمّ نسفا، أي: في البحر، وذكر اليمّ يبعد أن يكون ذرّاه على وجه الماء، وسقاه مع الماء بني إسرائيل.
ولعلّ كتّاب سفر الخروج وجدوا في الأصل، أنّ بني إسرائيل قد أشربوا في قلوبهم حبّ العجل، كما جاء في القرآن المجيد، ففسّروا ذلك من عندهم أنّ موسى عليه السّلام سقى بني إسرائيل ذرّات العجل مع الماء.
إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98) :
بعد أن أبان موسى عليه السّلام بالتطبيق العمليّ، أنّ العجل الّذي