معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 314
قول اللّه عزّ وجلّ:
يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (102) :
"الصّور"مخلوق عظيم من مخلوقات اللّه، وهو على هيئة القرن، إحدى جهتيه فتحة دائريّة ضيّقة، تقابلها فتحة واسعة، وباطنه فراغ، ينفخ فيه فيصدر صوتا بحسب قوّة النّفخ.
والنفخ في الصّور يكون أوّلا لإماتة الأحياء، ويكون يوم القيامة لبعث الأحياء الّتي قضى اللّه أن يبعثها إلى يوم الدّين، يوم الحساب، وفصل القضاء، وتحقيق الجزاء، بالعدل أو بالفضل الرّبّانيّين.
وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ: الحشر: في اللّغة هو الجمع والسّوق، يقال لغة:"حشر يحشر، ويحشر، حشرا"أي: جمع من حشرهم وساقهم.
المحشر، والمحشر: المجمع الّذي يحشر فيه القوم.
المجرمون: هم المستحقّون للخلود في دار العذاب يوم الدين.
جاء لفظ"المجرمين"في القرآن عنوانا مقابلا للمسلمين، وجاء وصفا للكافرين الذين أهلكهم اللّه في الدّنيا إهلاكا جماعيّا، كعاد وثمود وفرعون وجنوده. وجاء وصفا للمعذّبين في نار جهنم، ولم يأت وصفا للمسرفين على نفوسهم في المعاصي والآثام من أهل الإيمان. فدلّ هذا على أنّ المجرمين في المصطلح القرآني هم مرتكبو الآثام من دركة الكفر، فهم من أهل الخلود في عذاب النار.
زُرْقًا: أي: حالة كونهم زرقا، يتميّزون عن المؤمنين باللّون الأزرق.
إنّ اللّون الأزرق في أجساد الناس، يكون في العادة من الضربات الّتي تقع عليها، فيحتقن الدّم تحت الجلد، فيتحوّل لون الجلد إلى الزّرقة.