معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 334
وقد تأتي كلمة"لعلّ"للتعليل كما يقول النحاة، فتكون مثل"لام"التعليل، نحو: آتنا غداءنا لعلّنا نسكت به جوعنا ونقوّي به قدرتنا على السّفر.
أقول: وحينما تكون"لعلّ"للتّوقّع، وجاء هذا التوقّع منسوبا إلى اللّه عزّ وجلّ في النّصّ، فإنّ المراد به لازمه، أي:
فإذا كان المتوقّع مرغوبا فيه أو مرضيّا عنه، فإنّ المراد الدّلالة على أنّ اللّه عزّ وجلّ يرغب في تحقّق الأمر، أو يرضى عنه، لكنّه سبحانه لا يجبر، بمعنى أنّه لا يسلب المخيّرين لامتحانهم اختيارهم الحرّ، الّذي هو شرط عقليّ لوضعهم في الحياة الدنيا ممتحنين مبتلين.
وإذا كان المتوقّع أمرا غير مرغوب فيه، أو غير مرضيّ عنه، فإنّ المراد أنّ اللّه عزّ وجلّ يشفق على من اكتسبه، لكنّه سبحانه لا يجبر أيضا.
وهذا من إطلاق الملزوم وإرادة لازمه، وهو كثير في الاستعمالات العربيّة، والاستعمالات القرآنيّة، وهو من المجاز المرسل.
وبهذا ينحلّ الإشكال الّذي شغل المفسّرين في تأويل معنى"لعلّ"الّتي هي للتوقّع، أو للتّرجي كما يقولون، إذ ليس من شأن اللّه سبحانه أن يتوقّع أو يترجّى، وهو العليم بما كان، وبما هو كائن، وبما سيكون في المستقبل القريب، أو المستقبل البعيد.
فالمعنى الذي تدلّ عليه العبارة القرآنية لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ مع سابقتها:
وصرّفنا في القرآن من الوعيد، راغبين أو راضين لهم أن يتّقوا ليحموا أنفسهم من عذابنا الذي تقتضيه صفة العدل.
ومعلوم من النّصوص القرآنيّة أنّ اللّه عزّ وجلّ يرضى لعباده أن يؤمنوا ويعملوا صالحا، ولا يرضى لهم أن يكفروا ويعملوا أعمالا تسخطه، فيجازيهم بعدله.