معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 335
أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113) : أي: فإذا لم يتّقوا مباشرة تأثّرا بما صرّفنا في القرآن من الوعيد، فإنّه يرضينا أن يحدث لهم ذكرا، بتلاوته عليهم، أو بإسماعهم آياته.
والمعنى: أو يحدث لهم معرفة تتسرّب إلى أجهزة تخزين المعارف داخل نفوسهم، ثم قد تستدعى هذه المعرفة عند مناسبة داعية، أو مثير ما، من خزانتها إلى ساحة الذّكر لها، في جهاز التّذكّر الحاضر، فيكون لهذا الذّكر أثر حسن في نفوسهم، إذا خلت نفوسهم من الرّفض الّذي كان عند أوّل تلقّي المعرفة، ومن معارض قويّ يمنع من العمل بمقتضاها، كهوى غالب، وكبر حاجب، وشهوة عارمة، وتقليد أعمى، وعصبيّة ضاربة جذورها في أعماق النفس.
فذكر هدى الدّيان، عند خلوّ النفس من المعارض أو ضعفه، يدفع الإرادة إلى الإيمان، ثم إلى العمل بما يرضي الرّحمن.
هذا أثر البيان الذي قد يحدث ذكرا في نفس المتلقّي، فلينتفع من هذه الوسيلة علماء النفس.
أطلق في العبارة لفظ"ذكرا"وطوي في داخله حلقات السّلسلة السببيّة التي تكون قبله، وقد تؤدّي إليه، ما لم يوجد لها صارف أو معارض.
قول اللّه عزّ وجلّ:
فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ... (114) :
الداعي لهذا البيان عن اللّه عزّ وجلّ ما في سوابقه من بيانات عن عظيم قدرته وسلطانه في كونه، وجليل حكمته في تراتيب جزاءاته، ولهذا جاء في صدر هذا البيان العطف بالفاء الدالة على الترتيب التفريعيّ.