معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 337
هذه الآية ملحقة بهذا الدّرس، وقد استدعى إلحاقها به أمران:
الأمر الأول: الحديث عن القرآن في الآية السابقة (113) .
الأمر الثاني: أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم عند تنزيل النجم الذي كان يوحي به إليه جبريل عليه السّلام، وهو سوابق هذه الآية، صار يعجل بتلاوة ما تلقّاه من الآيات ليحفظها، قبل أن ينهي جبريل النجم الذي كان يوحي به إليه. فاقتضى الحال أن يعلّم اللّه رسوله أدب التّلقّي والاستماع من الوحي، وهو أن ينتظر فراغ جبريل من إملاء ما جاء به من عند ربّه ليمليه عليه، فإذا انتهى من إملاء النّجم كان للرسول أن يشرع بتلاوة ما تلقّاه من الوحي.
وقد سبق أن نزل عليه التعليم بأن لا يحرّك بالقرآن لسانه ليعجل به، في الآيات من (16 - 19) من سورة (القيامة/ 75 مصحف/ 31 نزول) فقال اللّه عزّ وجلّ له فيها:
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (19) .
فالتزم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بهذا التعليم امتثالا لما جاء فيه، إلّا أنّه لمّا صارت نجوم التنزيل القرآنيّ تنزل عليه أطول ممّا كانت تنزل على ما يظهر، اندفعت نفسه بحركة تلقائيّة دون ملاحظة للتعليم السّابق، فصار يتعجّل بتلاوة ما يوحي إليه به جبريل عليه السّلام، وربّما ظنّ أنّ النجم قد تمّ إملاؤه عليه، فأنزل اللّه عزّ وجلّ عليه عقب التّعجّل قوله:
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) .
فعلّم اللّه رسوله في هذا البيان أن ينتظر حتّى يعلم أنّ جبريل قد أنهى كامل النّجم الّذي يوحي به إليه، وأنّه فرغ من تلقينه إيّاه تماما.