فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 350
إلى مراكز التأثير في نفس آدم، بدليل استخدام حرف الجرّ:"إلى"في قول اللّه تعالى: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ. حرف الجر:"إلى"يدلّ على بعد ما بين بدء الحركة والوصول.
لكنّ إبليس لمّا رأى أنّه اقترب من نفس آدم وزوجه، بدأ يوسوس لهما، دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) :
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (20) :
فدلّت هذه الآية على أنّ إبليس لعنه اللّه صار يوسوس لآدم وزوجه بأسلوب مباشر، إذ جاء فيها استعمال حرف اللّام في: فَوَسْوَسَ لَهُمَا وجاء فيها أنّه صار يوسوس له ولزوجه معا.
وأطلق اللّه عزّ وجلّ على إبليس وصفه الجديد"الشيطان"المأخوذ من فعل"شطن"بمعنى:"بعد"والمأخوذ من الشدّ بالشّطن، وهو الحبل الّذي يدلّى به الدّلو إلى أسفل البئر. وقد استحقّ إبليس هذا الاسم الوصفيّ الجديد، إذ قد هيّأ نفسه للإغراء والإغواء، والإضلال عن صراط اللّه المستقيم، وممّا لا شكّ فيه أنّ إبليس قد صار بذلك بعيدا بعدا سحيقا عن الحقّ والخير والهدى، مطرودا من دائرة رحمة الرّحمن الواسعة، وصار مبعدا عباد اللّه عن الصراط المستقيم، بوساوسه وتسويلاته، وهو يتّخذ حبائل كثيرة يدلّي بها عباد اللّه إلى جحيم المعاصي والآثام، حتّى حضيض الكفر باللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه.
وحين تكون الدّعوة إلى الإثم والعصيان وسوسة في الصّدر من محدّث غير مرئيّ، فإنّ الإنسان يشعر بأنّها من قبيل حديث نفسه لذاته، وهذا أدعى إلى الاستجابة والاندفاع إلى ما تدعو إليه الوسوسة.