فهرس الكتاب

الصفحة 5353 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 351

قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (120) :

دلّت هذه الآية على أنّ إبليس الشيطان بدأ يتّخذ أسلوب الاستدراج بخبث، فتجاهل أنّه يعلم أنّ اللّه عزّ وجلّ نهى آدم وزوجه عن أن يأكلا من شجرة خاصّة عرفها إبليس لامتحان طاعتهما، فقدّم إغراءه لآدم بأسلوب العرض عن طريق الاستفهام: هَلْ أَدُلُّكَ؟ وأوهمه أنّه لا يعلم شيئا عن قضيّة الشجرة المحرّمة عليه وعلى زوجه، وأنّه خالي الذّهن تماما، وأنّه حريص على نصحه، فهو أسبق منه وجودا، وأعلم بحقائق كثير من الأمور، وبصفات بعض الأشياء وخصائصها، وأغراه بالخلد في الجنّة، بحياة أبديّة دائمة لا تنقطع، مع نعيم عظيم وملك لا يبلى ولا يفنى.

أمّا الخلد فبتأثير عنصر أو مجموعة عناصر تشتمل عليها شجرة الخلد، وسمّاها إبليس شجرة الخلد قبل أن يدلّ آدم عليها، لإشعاره بأنّ هذا الاسم الوصفيّ هو اسمها المعروف عند أهل الملأ الأعلى، وهي شجرة من أشجار الجنّة.

ومعلوم أنّ النّفس الإنسانيّة متى تعلّقت بمجهول فيه مطلب عظيم من مطالب النفس، أخذت تغلي مراجلها للتعرّف عليه، والوصول إليه، واستعماله لتحقيق مطلوبها العظيم.

وهذا هو أسلوب التشويق للرّبط والإزلاق.

وأمّا الملك الّذي لا يبلى، أي: لا يفنى ولا يهترئ كما تبلى الثياب، فهو فيما يظهر إغراؤه بسلطان دائم على ذرّيّاته الّذين يتناسلون منه فيها، بعد أن يأكل من شجرة الخلد فيكون من الخالدين، وإغراؤه بسلطان دائم على أهل الجنّة وسكّانها من غير ذرّيّاته.

بعد هذا التشويق والتعليق للرّبط والإزلاق، لا بدّ أن يكون آدم قد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت