فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 352
قال لإبليس: نعم، دلّني عليها. ولكنّ النصّ سكت عن هذا إيجازا.
وهنا جاء دور إبليس في إلهاب أشواق آدم للتعرّف على شجرة الخلد، ومع لهيب الشّوق يحصل في البصيرة غشاوة وسلطان هوى، لكنّ هذه الأطوار قد طواها القرآن، لإمكان التّوصّل إليها بالتّدبّر والتفكير العميق.
وندرك أنّ إبليس اللّعين، لمّا وجد الحالة النفسيّة لدى آدم ملائمة لتعريفه بالشجرة الّتي سمّاها له"شَجَرَةِ الْخُلْدِ"مع أنّها في الحقيقة شجرة الطّرد والإخراج من الجنّة.
ولمّا عرّفه بها وهي قريبة منه، قال آدم لإبليس: لقد نهانا ربّنا عن أن نأكل منها، فإذا أكلنا منها كنّا من الظّالمين لأنفسهم بمعصيته، وتعرّضنا للإخراج من الجنّة.
عندئذ استغلّ إبليس حالة التوتّر النّفسيّ لدى آدم وزوجه، وحالة القلق النّاتج عن حرصهما على الخلود، وعلى الملك الّذي لا يبلى، وخوفهما من المعصية والإخراج من الجنّة، على احتمال أن يكون هذا الناصح الموسوس لهما كاذبا عليهما، في ادّعائه أنّها شجرة الخلد، فاستطاع إبليس أن يختصر الطّريق على نفسه، فيصل إلى الوسوسة لهما معا وبصورة مباشرة، حتّى أزلقهما، وجعلهما يأكلان من الشجرة.
قول اللّه عزّ وجلّ:
فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (121) :
فَأَكَلا مِنْها: أي: فما زال إبليس الشّيطان يستدرجهما ويستنزلّهما في بئر الرّغبة في الأكل من الشجرة، حتّى أوقعهما بإرادتيهما في المعصية، فأكلا من الشجرة المحرّم عليهما أن يأكلا منها.