معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 355
عزّ وجلّ: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا بضمير المتكلّم العظيم، والفاعل في اهْبِطُوا ضمير جماعة المخاطبين، وهم آدم وزوجه، وذرّيّاتهما في ظهر آدم.
أمّا عداوة ذرّيّات آدم بعضهم لبعض فالواقع التاريخي للأجيال البشريّة يشهد بذلك، على مستوى الأفراد، والأسر، والقبائل، والشعوب، وأشدّ مظاهر العداوة بين ذرّيّات آدم وزوجه الحروب العظمى.
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً: أي: فإمّا يأتينّكم منّي تعليمات منزّلات تبيّن لكم ديني الّذي اصطفيته لكم، وفيها هدايتكم فاتّبعوها، واعملوا بما تشتمل عليه من أوامر ونواهي وإرشادات ونصائح.
فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (123) :
فعل"اتّبع"بوزن"افتعل"، يدلّ على الالتزام بقوة وعناية، لأنّ هذا الوزن يدلّ على التكلّف وبذل قوّة زائدة على المعتاد، للارتقاء في درجات البرّ والإحسان.
فَلا يَضِلُّ: أي: فلا يضيع في شتّى المسالك والمتاهات، بعيدا عمّا هو سبب سعادته.
وَلا يَشْقى: أي: ولا يعرّض نفسه للمتاعب والمشقّات المشقيات، لأنّ اللّه جلّت قدرته وعظمت حكمته يهوّن عليه، ويدافع عنه، ويمنح قلبه ونفسه الطّمأنينة والسعادة في حياته، ولو تعرّض للمكاره.
ويلزم من عدم ضلاله أن يكون من الفائزين الناجين يوم الدّين، من عذاب جهنّم وما فيها من شقاء أبديّ أو مؤقت، ومن أهل السّعادة الخالدة في جنّات النعيم.
والمعنى: فمن كلّف نفسه أن يتّبع هداي، فإنّه يحمي نفسه من