فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 375
مع ما فيهما من متاع مرغوب فيه، وأضيف لفظ"زهرة"إلى الحياة الدّنيا، لتكون هذه الإضافة قرينة صارفة عن إرادة الزهرة الّتي تنبت في الأشجار، أو في غيرها من نباتات الأرض، ويستمتع بها الناس استمتاعا مؤقّتا بزمن قصير، إذ عمر الزّهر قصير بالنسبة إلى سائر ما ينبت في الأرض.
لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ: أي: لنبتليهم، ونمتحنهم، ونختبر إراداتهم وسلوكهم فيه، خلال ظروف الحياة الدنيا.
أصل الفتنة، الصهر بالنار للمعدن، كالذهب والفضّة، لتمييز الرّديء من الجيّد، ولاختباره، ثمّ أطلق بالتّوسّع اللّغويّ على كلّ ابتلاء وامتحان واختبار.
وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (131) : أي: ورزق ربّك الّذي يهبه لك في الحياة الدّنيا، وسوف يفيضه عليك يوم الدّين في جنّات النعيم، أعظم خيريّة، وأكثر بقاء.
أمّا في الحياة الدّنيا فالرّزق القليل الكافي، المقرون بطمأنية نفس المؤمن، واستمتاعه، بما آتاه اللّه إيّاه، خاليا من الأكدار والمنغصّات، أو راضيا طامعا بما ادّخر اللّه له، وجعله مؤجّلا إلى يوم الدّين، أكثر وأفضل هناءة ولذّة واستطابة من الرّزق الوفير الفائض عن الحاجات، المقرون بالقلق، والأكدار، والمنغّصات، والمزعجات، والآلام، والمتاعب المضنيات للنفس.
وأمّا في الدّار الآخرة يوم الدّين، فلا وجه للمقارنة بوجه من الوجوه، فالسعادة كلّها للمؤمنين في جنّات النعيم، والشقاء والعذاب وكلّ ما يؤلم ويسوء للكفرة والمجرمين، وعذاب دون ذلك للمؤمنين الّذي أسرفوا على أنفسهم بالمعاصي والمخالفات لربّ العالمين.
وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أزهد الناس في الدّنيا، مع قدرته على أن