فهرس الكتاب

الصفحة 5435 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 434

والمراد بالواقعة أحداث يوم القيامة، وقد دلّ على هذا المراد ما في الآيات التاليات لهذه الآية من قرائن، ودلّ التعريف ب (ال) على عظمتها.

قول اللّه عزّ وجلّ:

لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (2) : أي: لا يوجد بعد وقعة أحداث الواقعة العظمى نفس كاذبة، فلفظ كاذِبَةٌ صفة لموصوف محذوف تقديره:

"نفس"وهذا نظيره قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (فاطر/ 35 مصحف/ 43 نزول) :

وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ... (18) .

إنّ النفوس تكون يوم القيامة في حياة الحقّ الرّهيبة مسلوبة الاختيار، إذ انتهى زمن ابتلائها، فلا تملك نفس فيها أن تكذب أو تحتال أو تقول عن شيء ما إلّا الحقّ والصّدق وما هو واقع، المؤمنون، والكافرون، والمنافقون الذين كانوا كذّابين في الحياة الدنيا، لا يملك أحد منهم أن يقول يومئذ إلّا الحقّ، وقد يعطى الكافر عند محاسبته فقط حرّيّة الدّفاع عن نفسه، فيجحد فتشهد عليه جوارحه فيخاصمها قائلا لها: عنكنّ كنت أدافع.

وبناء على هذا الفهم الذي ترجّح لديّ فاللّام في عبارة لِوَقْعَتِها هي بمعنى:"بعد"مثل اللّام في قول اللّه عزّ وجلّ: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ: أي: بعد زوال الشّمس عن كبد السماء، وهذا تحديد لأوّل وقت صلاة الظهر، ويمتد إلى وقت صلاة العصر حتى آخر وقتها، وبعد غروب الشمس، ويمتد إلى طلوع الفجر.

وممّا لا تستطيع أن تكذب فيه نفس ما يومئذ، كلّ أحداث يوم الدّين، لأنّها تكون أحداثا مشهودة لجميع الخلائق، وواقعا يدركه الحسّ، فما كان خبرا في الحياة الدنيا، قابلا لأن يكذّب به الكافر، بدافع من أهواء نفسه وشهواتها وكبرها ورغباتها في الفجور يصير أمرا واقعا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت